مجد الدين ابن الأثير

332

المختار من مناقب الأخيار

تقطعهم عن اللّه القواطع ، ليوث في تغرّبهم « 1 » ، أغنياء في توكّلهم ، أقوياء في تقلّبهم . قد قطعتهم الخشية ، ولهّتهم الغربة ، ونعيمهم « 2 » اليقين ، وروحهم السّكون ، ألين الخلق عريكة ، وأشدّهم حياء ، وأشرفهم مطلبا ، لا يركنون إلى الدنيا ، ولا يتطاولون ولا يتماوتون ، فهم صفوة اللّه من خلقه ، وضنائن « 3 » من خالص عباده . ثم قال لي : إنّ القلوب الحيّة من دون هذا لها مقنع ، نفعنا اللّه وإيّاك بما علّمنا والسلام عليك ورحمة اللّه . قال بشر : فطلبت إليه أن أصحبه ، فأبى عليّ ، وقال : لست أنساك فلا تنسني . ثم مضى وتركني . قال بشر : فلقيت عيسى بن يونس ، فحدّثته بقصّته ، فقال لي : لقد أنس بك ذلك الرجل الصالح ، إنّه رجل من خيار الناس ، يأوي في الجبل ، وإنّما يدخل إلى المدينة في كلّ جمعة لصلاة الجمعة ، ويبيع في ذلك اليوم حطبا يكفيه إلى الجمعة الأخرى ، وعجبا له كيف كلّمك ؟ لقد حفظت عنه كلاما حسنا « 4 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال ذو النّون : بينا أنا أسير بين جبال الشام إذا بشيخ على تلعة من الأرض ، قد تساقطت حاجباه على عينيه كبرا . فتقدّمت إليه فسلّمت عليه ، فردّ عليّ السلام . ثم جعل يقول : يا من دعاه المذنبون فوجدوه قريبا ، ويا من

--> ( 1 ) في صفة الصفوة 4 / 358 : « تعززهم » . ( 2 ) في صفة الصفوة : « وولّهتهم الغربة ، نعيمهم » . ( 3 ) الضنائن : مفردها الضّنّ ، وهو الشيء النفيس المضنون به . معجم متن اللغة ( ضنن ) . ( 4 ) صفة الصفوة 4 / 357 .